محمد متولي الشعراوي

6002

تفسير الشعراوى

أي : أنه سبحانه قد أنزل عليكم ما يشفى صدوركم من غلّ يؤثر في أحكامكم ، وحقد ، وحسد ، ومكر ، وينقّى باطن الإنسان ؛ لأن أي حركة من حركات الإنسان لها نبع وجداني ، ولا بد أن يشفى النبع الوجداني ؛ ليصحّ ؛ حتى تخرج الحركات من الجوارح وهي نابعة من وجدان طاهر مصفّى وسليم ؛ وبذلك تكون الحركات الصادرة من الإنسان سليمة « 1 » . ولذلك قال الحق سبحانه : وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 57 ) [ يونس ] وجاءت كلمة « الشفاء » أولا ؛ لتبيّن أن الهداية الحقّة إلى الطريق المستقيم تقتضى أن تخرج ما في قلبه من أهواء ، ثم تدلّه إلى المنهج المستقيم . وإن سأل سائل عن الفارق بين الشفاء والرحمة ؟ نجيب : إن الشفاء هو إخراج لما يمرض الصدور ، أما الرحمة فهي اتباع الهداية بما لا يأتي بالمرض مرة أخرى ، واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . . ( 82 ) [ الإسراء ] وهكذا يتبيّن لنا أثر الموعظة : شفاء ، وهدى ، ورحمة ، إنها تعالج ليس ظواهر المرض فقط ، ولكن تعالج جذور المرض . إذن : فشفاء الصدور يجب أن يتم أولا ؛ لذلك نجد الطبيب الماهر هو من لا ينظر إلى ظواهر المرض فقط ليعالجها ، ولكنه يبحث عما خلف تلك الظواهر ، على عكس الطبيب غير المدرّب العجول الذي يعالج الظواهر دون علاج جذور المرض .

--> ( 1 ) عن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب » أخرجه البخاري في صحيحه ( 52 ) ومسلم في صحيحه ( 1599 ) .